هل أحضرت الصور؟!
قصة قصيرة / علي الكلاواي
هل أحضرت الصور؟!
سأل حسين زوجته ...
نعم .. وانت هل أحضرت كل شيء ؟!
نعم .. نعم لننطلق أذن لقد ضاع منا الكثير من الوقت وضعت عبائتها السوداء على رأسها وضمتها بيدها من الداخل لكي لايظهر الاوجهها وخرجت من الباب تبعها زوجها ليغلق دونه الباب .. ويسيرا بخطى من ساهم العمرة
القهر والغربة في هزيمته .. سارا بأنكسار يحدوهم بتلك الخطوة التي خطوها خارج الدار الاملفي تحقيق المستحيل !!
أيقظ صوت الباب ستار من نومه .. فتطلع من النافذة ليشاهد والديه يسيران متلاصقين في الزقاق .. غير آبهين ببرودة الفجر .. أبتلعتهم ظلمة الفجر الكاذبة وطول الزقاق .. ضرب رأسه براحة يده .. وعاد الى سريره ودمعة ملتصقة في عينيه ..
ماذا فعلت أخبرنا ؟!
هكذا كان يستقبل ستار حين يدلف عبر الباب الى البيت .. فيضطر الى السرد بتفصيل كل كبيرة وصغيرة مما قام به ذلك اليوم .. أحيانا يتكلم بفرح حين يلمس أمور مشجعة .. وأحيانا وحين يصطدم بجدار الفشل الاصم يضطر الى الكذب والتعليل ليجنبهم أزعاج ومرارة الفشل ..
ماذا أفعل ؟! .. لم أترك باب الاوطرقته .. الحكومة الايرانية .. الصليب الاحمر .. منظمات حقوق الانسان .. الامم المتحدة .. شخصيات تبدو مهتمة بالامور الانسانية .. جميعهم .. جميعهم .. تآمروا لطمس المأساة .. بين عدم الاهتمام وتضارب المصالح .. ضاعت القضية .. فنحن لانملك نفطا .. او أموالا طائلة ليهتموا .. نحن لانملك الاأجسادا هزيلة وقلوبا محطمة وحياة مشتتة بين بلدين .. بلد طردنا وأخر لايعترف بنا ..
هكذا كان يعبر ستار عن أمتعاضه حين يجتمع مع من له قضية مشابهة لقضيته ..
لي اربعة أخوة .. أحتجزوا عام 1981 بحجة أنهم في سن تسمح لهم بحمل السلاح ولكنهم ليسوا أسرى حرب وقالوا بأنه ما أن تنتهي الحرب يطلقوا سراحهم ليلتحقوا بأهلهم!!
خدعونا بأكاذيب تمرسوا عليها وذلك هو ديدنهم ..كذبوا ونحن لاحول لنا او قوة .. اننا لم نستطع أنذاك تلافي أحتجاز او تفريق أخواتنا وبناتنا عن أزواجهم ناهيك عن تسفيرنا وأحتجاز أموالنا ومصادرتها ...كذبوا وأنفقوا الاموال فقط ليشتتونا ويطردونا من ديارنا ..
انا كنت في الاربعين فسمحوا لي بمرافقة والدي وأختي المطلقة من زوجها .. واحتجزوا بقية أخوتي الاربعة ..
وكم حاولنا ان نخرجهم من أحتجازهم في بداية الامر ولكننا وبعد مضي كل تلك السنين نحاول فقط .. فقط معرفة مصيرهم .. ما يقلقنا الان مصيرهم فقط ..
ما ان يتكلم ستار عن الموضوع حتىتكون العبرة رفيقة كلماته .. والنظرات التائهة الحائرة الباحثة عن بارقة أمل او أشارة وأن كانت بعيدة بالحل ..
قالوا لي أن الزمن كفيل بنسيانهم .. وكيف ننساهم .. ان الصليب الاحمر والمنظمات الانسانية الاخرى بدت مقتنعة بان النسيان هو الحل الاوحد لهذه المشكلة فلم تعد تجيب على رسائلنا او توسلاتنا علها تزرع الياس في نفوسنا ليطرح الياس بعد فترة ثمرة.. الملل والنسيان .. كأنهم وكما قال لي أحدهم ذات يوم أن النسيان نعمة علينا الاستفادة منها في المضي قدما في الحياة ..
الى الان لم أقتنع بان علي ان أنسى أخوتي الاربعة .. كيف أنساهم ؟!! .. أنسى طفولتنا .. شقائنا .. مرحنا .. لعبنا .. عراكنا .. أنسى أنهم كانوا والان أختفوا من دون أن أعرف طريقا لقبورهم أن كانوا أموات
كانت الضغوط تحيط بستار منذ أن غادروا قسرا العراق .. ضغوط الغربة .. ضغوط العمل وتأمين القوت والمأوى .. ضغوط الاهتمام بأبوين عجوزين وأخت تعيش مأساة نذالة زوج قبض ثمن طلاقها واحتفاظه بالاولاد .. أضافة الى سعيه لمعرفة مصير أخوته .. كم هي المدة التي يستطيع ان يعيش المرء تحت تلك الضغوط وخصوصا أنه بدأ ينطح برأسه أبواب موصدة خلفها أشخاص خلت دواخلهم ممن القلوب وخبت ومضة الحياة في عيونهم لينظروا الى العالم بتلك النظرة الباردة اللامبالية لكل ما يحدث ..
أخبرنا من جديد .. أهذا كل شيء ؟! .. أنني أشك في الجهدالذي تبذله من أجل أخوتك ؟!
قال الاب مخاطبا ستار الذي كان في أسوء حالاته النفسية .. وهاهو الان يشكك في كلامه ويوبخ على الجهد الذي يبذله ويتهم بالتقصير .. فصاح بأعلى صوته ..
أنسوهم !!! .. هذا ما علينا ا ن نفعله من هم ليحتفظوا بهم كل تلك المدة ؟! .. ليسوا ورقة تفاوض .. ولن يكونوا كذلك مع أي جهة .. آن الآوان لننصب خيمة العزاء لهم
لطمت الام والاخت الخدود فيما صرخ الاب بحنق ..
أسكت .. أسكت ..
فيما قالت الام ..
أنساهم .. أن نساهم الناس كيف وأنا من حملت وأنجبت وأرضعت وسهرت وربيت أن أنساهم ..
فر ستار الى غرفته .. صاما أذنيه من تلك الاصوات التي يسمعها من محيطه ولكن كيف بأصوات داخله .. ولكنه قال الكلمة التي لم يكن ينوي نطقها ابدا .. هاهو ينهار ويقولها بأعلى صوته وعلى مسامع الجميع ..
توقفا .. الاب والام .. أمام مبنى الامم المتحدة ..أخرجت الام من تحت عبائتها صور أبنائها الاربعة .. فيما أخرج الاب لفلفة بيضاء من القماش .. نفضها ومسكها من طرفيها ورفعها الى مستوى صدره .. كتب عليها " لن ننسى أبنائنا " ..
من داخل المبنى كان موظف الامم المتحدة يرمقهم بتلك النظرة الباردة المجردة من التعابير وهو يرتشف قهوة الصباح ..
لم يستطع الاب والام الصمود أكثر .. فتراجعوا ليجلسوا على المصطبة .. لم يستطيعوا أستقطاب الاهتمام اللازم ولكنهم لم ييأسوا .. لقد قرراأن لايغادرا حتى يعيدا الحياة الى تلك النظرات ويعيدا النبض الى تلك القلوب المتحجرة ..
تعبت الام فسقط رأسها على صدرها .. لم تعد تقوى على حمل رأسها ولكن يدها ما زالت أصابعها ممسكة بقوة على صور أبنائها لقد فقدتهم مرة أحياء وهي لاتريد فقد صورهم الان شعر الاب بأغفاءة الام .. فلم يجد الااللافتة القماشية يدثرها بها وفيما كان يفعل ذلك رمق صور ابناءه الاربعة .. سالت دمعة من عينيه على اولئك الذين تركهم وهم شباب .. كمال ، جمال ، مصدق ، حمودي .