أحلام .. أحلام التبعية الايرانية

قصة قصيرة / علي الكلاواي

أحلام .. أحلام التبعية الإيرانية
أحلام .. فتاة في الخامسة والعشرين من العمر .. بسيطة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .. فهي فقيرة الحال .. يتيمة الأبوين .. لم تكمل دراستها واكتفت من المدرسة بان تعلمت القراءة والكتابة .. حلمها حلم أي فتاة بمستواها المادي والاجتماعي والفكري منحصر في رجل تعيش في كنفه كزوجة تخلص له وتنجب وتربي له أطفاله الى حين الممات .. وهي في هذا العمر "الخامسة والعشرين" باتت قلقة من أن لا يتقدم أحدهم لخطبتها .. الخامسة والعشرين حد فاصل للفتاة .. ولكن مع ذلك دائما هناك أمل في الحياة .
أحلام …اليوم مرتبكة وهي تنظر بين الفينة والأخرى الى باب غرفة الضيوف .. إذ زارهم اليوم ثلة من النسوة للتعارف وأن كانت أختها الكبرى والتي تسكن معها قالت فرحة "أنها زيارة خطوبة مبدئية "…وعلا الوجوم وجوههم بعد الفرح .. بعد أن شعروا أن عليهم أن يصارحوا الضيوف بكل شيء .. فهذا زواج ويجب أن يبنى الزواج على الصراحة والصدق .. فكيف سيخبرنهم بالحقيقة وكيف سيتقبل الضيوف االامر .
أحلام .. فتاة عاملة .. فهي عاملة تغذية في إحدى المدارس المشمولة بنظام التغذية !! .. توزع على الأطفال شطائر الجبن والحليب .. عمل لا يتطلب مهارات أو شهادات وهذا يناسب مقدرتها ، والراتب الذي كانت تستلمه كل شهر تسد به بعض احتياجاتها البسيطة ويجعلها تشعر بأنها ليست عالة على أختها الكبرى وزوجها وأن كان البيت الذي تسكنه في تلك المنطقة الشعبية من شارع الكفاح لهن بالتساوي فهو أرثهن الوحيد .. لذا كانت مواظبة على العمل ، لا تتأخر عنه مهما كانت الظروف لكي تستمر في كسب رضا المديرة التي وافقت على طلب العمل الذي تقدمت به أليها من قبل .. السابعة موعد خروجها من البيت تتخذ طريقا مختصرا الى المدرسة من خلال الدرابين الضيقة لمخلتهم .. وتعود بذات الطريق عند انتهاء الدوام .. لم يؤخرها يوما برد أو حر أو عائق ما .. لم تكن تلتفت الى كلمات الغزل والمعاكسات أو نظرات الإعجاب .. فهي حسب اعتقادها أن نهايتها ستكون في بيت زوجها وأن عليها حتى ذلك الوقت أن تمضي بثبات الى عملها اليومي .. ثباتها في السير وعدم التفاتها الى الغزل والمعاكسة جعلته يراقبها بإعجاب واحترام وتزداد قناعته بها .. كزوجة وأم صالحة لتربية أطفاله .. والنسوة هذا اليوم كن لخطبتها له.
أحلام .. مازالت خائفة تحاول أن تعرف ما يجري في الغرفة وما يدور من كلام .. شهقت حين فتحت الباب وخرجن النسوة من الغرفة تتبعهن أختها الكبرى التي رمقت أحلام بنظرة حزينة .. وما أن عادت الأخت من توديع الضيوف ولمحة الحزن بادية على وجهها حتى فهمت أحلام بان الأمر لم يجري كما تشتهي .. عادت الى غرفتها لتبكي وحدتها وحشتها .. حظها .. تبكي كما كانت تفعل دائما أدلم ينفس عنها أحد غير البكاء .
- أحلام مسكينة والله …
هكذا قالت الأخت لزوجها وواصلت كلامها ..
- ما أن قلت لهم أن أباها مسفر وأته مات ودفن في إيران حتى انتفضت أم العريس وقالت "انتم عجم .. ؟!" حاولت أن أوضح وأن أبرر ولكنها كانت تردد وكأنها لاتسمع "لا.. عيني أنتم عجم .. نحن لم نعرف ذلك لو كنا نعلم لما تقدمنا أصلا .. " ثم طلبت من النسوة أن يتبعنها ..
لم يجر الزوج جوابا بل نظر الى زوجته المتكلمة فقط .. نظرت أليه وقالت ..
- ماذا .. ؟
- لاشيء سوى أنني تذكرت كلمات الضابط الذي أتى ليسفركم قال لي "طلق العجمية ولنسفرها مع أبيها وتزوج عراقية"هل تعلمين ماذا قلت له "المرأة مسلمة .. تصون بيتي .. وتحفظ غيبتي وترعى أطفالي .. لم أطلقها .. "أن كان الرجل يريد أحلام فأته سيفعل المستحيل من أجلها ..
أحلام .. مع دموعها كانت تتذكر مصيبتها .. تتذكر دخول رجال السفيرات الى بيتهم تلك الليلة .. أخذتها أمها بالأحضان وهي تصرخ "أنا عراقية .. أنا عثمانية .. هذه شهادة الجنسية .." ولكن الضابط قال "ولكن زوجك أيراني وسيسفر مع أولاده .." .. وقالت ألام "أنهم أولادي أيضا .. وأنا أريدهم بقربي" هكذا كان الاتفاق أن حدث المحظور ليسفر الأب فهو رجل ويحتمل وتبقى ألام مع البنات الى أن يفرج الله الأمر كم بكوا تلك الليلة .. أنها الليلة الأولى والوحيدة التي يقضونها من دون أن يسمعوا صوت أباهم أو أن يشعروا بوجوده .. كم بكوا وهم يعلمون أنه رحل بلا عودة .. وكم بكوا حين وصل إليهم خبر مؤكد عن وفاته في إيران ودفنه هناك بعيدا وحيدا غريبا .. خافوا من إقامة العزاء .. لقد حذرهم بعض المقربين من إقامة العزاء لأنهم قد يقيموا الحجة على أنفسهم بأنهم على اتصال بإيران والزمن زمن حرب .. أشعل ذلك في أنفسهم حزنا لم يطفاء .. لم تطفئه اللطم ولم يطفئه البكاء المر .. ترك رحيل أباهم في الغربة جرحا لم يبرأ .. لتمضي ألام بذلك الجرح وتترك أحلام وحيدة .. أملها في رحمة الله الواسعة .
أحلام .. تأكدت من أن رجلها لن يأتي .. هاقد مضت أيام طويلة .. كانت خلالها متأملة متلهفة للعودة الى البيت من العمل علها تسمع أختها تقول لها "أنهم قادمون" ولكنها ملت ذلك الأمل الكاذب ولم تعد تعيش لهفة سماع الخبر لأنها جزمت من أن الأمر قد انتهى وأن النسوة اتخذن قرارهن .. فلتواصل هي حياتها .. لتواصل عملها ولتتخذ ذات الطريق كل يوم الى العمل .
وقفت أمام المديرة التي كانت تنظر الى أوراق أمامها .. لم تكن تقرأها بل لم تكن تريد النظر الى أحلام .. قالت المديرة ..
- أحلام أنت إيرانية ..
ارتبكت أحلام ولم تعد تعرف كيف تجيب .. واصلت المديرة كلامها ..
- لم أسألك وقت تقديم طلبك للعمل عن أوراقك وقبلتك كعاملة تغذية في المدرسة لان الأمر ضمن صلاحياتي كمديرة ولكن أنا لا أستطيع أن أخالف قرارا من الوزارة والحزب بمنع الأجانب من العمل في سلك التربية والتعليم .. لذا تراني مضطرة الى إيقافك عن العمل .. وخصوصا أن هناك من أتى ليخبرني عن أمرك ..
- لكن ست ..
ولم تزد أحلام عن ذلك .. فلقد خنقتها العبرة وفاضت عيناها بالدموع .. نكست رأسها وتساقط الدمع الى الأرض شعرت بالحاجة الى رفع رأسها فهي تختنق بالدموع .. رفعت رأسها لتسقط عينها الدامعة على صورة ضاحكة خلف المديرة .. كان صاحبها يضحك من مأساتها من ألأمها .. يضحك من حياتها المهددة بالضياع …يضحك .. لأن الناس لم ترحم الضعيف في ضعفه على أساس أنها تنفذ قرار الأقوى .. لم يكتفوا بأخذ أباها ليلا من البيت .. لم يكتفوا بحرمانها من الحياة الحرة .. ماذا يريدون منها ؟.. ماذا لديها لتعطيهم إياه ليرضوا .. هاهو العمل الذي يعيلها لتحيا حرة قد منعت عنه بقرار الخوف والجبن .. هاهو الرجل الذي قد يسترها لما تبقى من حياتها قد أبتعد نتيجة الخوف والجبن .. الخوف والجبن الذي لف العراقيين هما اللذان منعهما من إقامة العزاء على أبيهم . الخوف والجبن الذي دفع الناس الى عدم رؤية جيران العمر تسفر .. الخوف والجبن دفع الناس الى قطع صلات الرحم بغيرهم أن كانوا تبعية إيرانية …الخوف والجبن هما من دفع البعض الى التضحية بكل القيم النبيلة لكي يبقى حيا ذليلا ..
مازالت أحلام تبكي .. لا فائدة أحلام من البكاء فلن تستجيب المشاعر إليك لأنك الجانب الأضعف .. اذرفي الدمع .. اذرفي فالخوف شل أيديهم وجعلهم أشبه بالظالمين .. ضاعت أحلامك أحلام كما ضاعت أحلامنا كلنا نتيجة الخوف والجبن .. ضاعت أحلامك أحلام فهي تبقى أحلام …أحلام التبعية الإيرانية
.